ندرك جيدًا أن كل ما وصانا به رسول الله صل الله عليه وسلم أو نهانا عنه هو صدق يأتي به من عند الله عز وجل، قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [سورة النجم: 3-5]، وهو ما أثبتته الدراسات والعلوم الحديثة عن بعض الاكتشافات العلمية والكونية التي أتى بها القرآن الكريم وحكت عنها السنة النبوية الشريفة، وإحدى هذه المعجزات هي التداوي بالحبة السوداء وقد وردت العديد من أحاديث صحيحة عن الحبة السوداء التي تثبت أنها شفاء ودواء للعديد من الأمراض إلا الموت الذي فلا شفاء منه.

أحاديث صحيحة عن الحبة السوداء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: «في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام». [حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الطب باب الحبة السوداء] والمقصود بالحبة السوداء هنا هي الشونيز.

وهذا حديث آخر أخرجه البخاري وابن ماجة عن خالد بن سعيد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر، فمرض في الطريق، فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة السوداء فخذوا منها خمسًا أو سبعا فاسحقوها ، ثم اقطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب، وفي هذا الجانب، فإن عائشة رضي الله عنها حدثتني أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بهذه الحبة السوداء؛ فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام». [حديث صحيح].

معني “شفاء من كل داء”:

للعلماء في هذا الشأن معنى “شفاء من كل داء” قولان: الأول هو العموم أي أن الحبة السوداء هي شفاء لجميع الأمراض ومن هؤلاء العلماء ابن القيم رحمة الله عليه حين قال: “شفاء من كل داء مثل قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف:25] أي كل شيء قابل للتدمير”.

وأما القول الثاني للعلماء، أنها عام أريد به خاص أي أن المراد شفاء بعض الأمراض وليست كلها، وفيه قال الخطابي: قوله صل الله عليه وسلم: “من كل داء” هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة.

وأخيرًا يقول ابن تيمية في تفسير قوله “شفاء من كل داء”:  “مجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب؛ فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مربية بإذن الله، ولا بد من صرف الانتفاء عنه ؛ فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره” والمعنى أن الحبة السوداء شفاء من كل داء ولكن تتوقف هذه الصفة عند مشيئة الله فإن شاء شفى وإن لم يشاء فلا فهي أحد الأسباب وقدرة الله أولًا وأخيرًا هي المتصرف.

وفي نفس المعنى يقول ابن باز رحمه الله: “كثير من الناس لا تنفعه الأسباب ولا الرقية بالقرآن ولا غيره؛ لعدم توافر الشروط، وعدم انتفاء الموانع، ولو كان كل مريض يشفى بالرقية أو بالدواء لم يمت أحد، ولكن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، فإذا أراد ذلك يسر أسبابه، وإذا لم يشأ ذلك لم تنفعه الأسباب” [ مجموع فتاوى ابن باز” (8 / 61)].

الحبة السوداء بين الماضي والحاضر:

عرفت الحبة السوداء في الطب القديم وشاع استخدامها بين المصريون القدماء حيث اكتشف زيت الحبة السوداء كأحد مقتنيات مقبرة الملك توت عنخ أمون وهو ما يعني أهمية هذا الزيت في معتقدات الفراعنة ومدى قدرته على الشفاء، وفي القرن الميلادي الأول كتب الطبيب اليوناني “ديسكوريدس” أن بذور حبة البركة أو الحبة السوداء تستخدم في التداوي من أمراض متعددة مثل الصداع واحتقان الأنف، وطرد الديدان كما أنها تعمل كمدر للألبان لذلك ينصح بتناولها للأم المرضعة، وفي العصر الإسلامي كتب عنها البيروني وابن سينا عن مدى فائدة هذه العشبة ذات الأصل الهندي في علاج الكبد والتغلب على الإرهاق والجهد.

وفي الطب الحديث أقيمت بعض الدراسات والأبحاث التي تعدت الـ 150 بحث حول فوائد الحبة السوداء العلاجية موضحة تركيب تلك الحبة ومدى فاعليتها في التأثير على الكثير من الأمراض خاصةً فعليتها في التئام الجروح حيث أوضحت تلك الأبحاث أن التركيب الكيميائي لهذه الحبة يتكون من الفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية الغير مشبعة بالإضافة إلى بعض البروتينات النباتية وكذلك مادة “النيجيللون” وهو أحد مضادات الأكسدة، والجلوتاثيون.

كما أثبتت تلك الأبحاث أن الحبة السوداء هي مصدر جيد للطاقة ومفيدة في حالات نقص المناعة وكذلك أثبتت مفعولها للأمهات المرضعات كمدر جيد للألبان، كما أنها تمد الأطفال بحمض الأرجينين اللازم لعملية النمو، وأخيرًا وليس آخرًا لم تكن تلك الحببة في يومًا من الأيام سوى سبب سخره الله لعباده كوسيلة للشفاء ويبقى اليقين في الله وفي قدرته هو أعظم شفاء للنفس والجسد شفاكم الله وعفاكم جميعًا.

عن الكاتب

Eman Samy